الإنسان الجزائري لكونه محب لوطنه يأخذه فضوله لتعرف على الجيل الجديد من سلالة الأمير عبد القادر و يذهب بك إلى دمشق و يوجهك دون أدنى تفكير إلى حي الروضة أين تقطن السيدة بديعة الحسني الجزائري المرأة التي تجاوزت الثمانين التي كانت تتألم و تذرف دموع الحسرة و هي تحكي عن كذبة فرنسا حول استسلام مؤسس الدولة الجزائرية و حملة تصحيح الحقائق بأن الأمير لم يستسلم و إنما هاجر بعدما تآمروا عليه المراكشيون و المفاجآت مطولة و التصريحات عن أسماء ثورية تلاعبت بالتاريخ فحمّلت بدورها وزارة التربية الوطنية مسؤولية الأخطاء التاريخية التي مازالت ليومنا هذا تتحدث عن الاستسلام الأمير عبد القادر و أكدت عبر الوثائق التي ورثتها عن أمها، أن جدها الأمير خرج مهاجرا من الجزائر و ليس مستسلما، كما دعت بصوت مرتفع لحرق كتاب "المواقف" و عن محمد باشا الذي يظل لغزا محيرا بعد "تحفة الزائر"، و تكتشف على أنها غير راضية على جمعية الأمير في الجزائر و تقول بأن راية الحرب مزيفة و تحكي أيضا عن انضمامها مع بنتي الرئيس حافظ الأسد إلى المقاومة الشعبية بسوريا و أشياء أخرى كثيرة.
هو مشروع تحمله منذ 25 سنة و مطلبها الوحيد يهم كل أجيال الجزائر، حتى لا يشعروا بالدونية التي قدمتها لهم فرنسا على جرعات و سجلتها في كتب المدرسية، فمن حق كل طفل و شاب جزائري و كل مواطن يعتز بشرفه كجزائري و معرفة حقيقة بلاده و مؤسس الدولة الجزائرية.
الأمير عبد القادر لم يستسلم و خروجه من الجزائر كان خروج كمهاجر قدوة بما فعله الرسول صلى الله عليه و سلم عندما هاجر من مكة إلى المدينة، فقد كان تقي و لم ينتسب لأي فرقة صوفية، ربطته علاقات كثيرة مع فرق صوفية لكن لم يكن أبدا واحدا منها، كان يعمل بالمذاهب الأربعة كان زاهدا و عاش في القصور و تزوج من أربعة نساء هن: لالا خيرة إبنة عمه، و السودانية والدة الأمير خالد و الشركسية من البلقان إضافة إلى الجارية مبروكة و رزق ب 16 ولد، 6 بنات و 10 ذكور.
عندما وجد الأمير نفسه محاصرا من الجوار من العرب و الجزائريين قرر توقيف هذه المهزلة، حين تحولت الحرب من مقاومة المحتل إلى مقاومة أبناء البلد المخدوعين و لأنه لم يكن يملك حلا آخر أمام الحصار الذي طاله، حقن الدماء في حرب تحولت وجهتها من الأعداء إلى الأشقاء، في ليلة شديدة الظلام و ممطرة باردة، و كان مرفوقا ببعض الجرحى الذين كانوا يتألمون بشدة؛ قرر بعدها الأمير الهجرة و أمّن طريقها ليضمن الوصول خارج الجزائر ، ففيما أن الإتصال بالمغرب كان مستحيلا، اختار الاتصال بالعدو الحقيقي لأن المراكشيين كانوا مقيدين بمعاهدة طنجة سنة 1844م، فجلس مع الفرنسيين و أمصى اتفاقية استئمان، أين كان مطلبه السماح له بالذهاب إلى عكا في المشرق العربي التي كانت يومها جزءا من الدولة العثمانية فكان بإمكان فرنسا الرفض و متابعة القتال ولكن الجنرال الفرنسي "لامورتين " و هو ممثل الدولة الفرنسية بالجزائر، ركب حصانه و قصد الأمير بدائرته و كان قد كتب رسالة لزميله "ابن الدوق دومان" ليخبره بأن الأمير يريد وقف الحرب و الخروج من الجزائر و أنه لا يمكن انتظاره خوفا من أن يغير رأيه و عقد الاتفاق، و بأن كل المعلومات التاريخية تقول أن الأمير لم يلأسر في معركة، فكيف له أن يستسلم؟ و بهذا فأنا شخصيا متأكدة أن كلمة "استسلام" اخترعها المستعمر الفرنسي لإذلال الجزائريين و سلبهم البطولات و نحن تبنينها و درسناها في كتبنا، و الحقيقة أهناك عدد من المفكرين كتبوا أشياء جيدة عن الأمير لكنهم كلهم يذكرون الاستسلام! و نجدهم يبحثون عن الأعذار لتبرير استسلامه مع أنهم يعلمون أن فرنسا اختطفته و نقضت معاهدة الاستئمان و أخذته إلى فرنسا عنوة، فالأمير عبد القادر كان رئيس دولة و لم يؤسر، لأنه لم يكن في معركة ضد المحتلين، بل في معركة دفاعية ضد قوات السلطان عبد الرحمن بن هشام المراكشية و أنتصر عليهم و عقد اتفاق مع فرنسا للذهاب إلى عكا و أصبحت في يده وثيقة رسمية تحميه، و خرجت حينها به الباخرة من الجزائر متجهة نحو عكا،في تلك اللحظة غيرت فرنسا رأيها لأن عكا بلد إسلامي تحكمه الدولة العثمانية و عليه لن تكون لفرنسا عليه سلطة، فتخوفت من عودته للجزائر و يستجمع قوته من جديد و هو ما أكده الجنرال بيجو في كتابه، حيث قال:"الأمير وقع في شبكة حيكت ببراعة عجيبة، فألغت فرنسا الاتفاق و لم تخبره إلا عندما وصلت الباخرة إلى طولون، أين دخل عليه دوماس بإلغاء الاتفاق، لكن الأمير لم يفاجأ بالأمر لأنه يعلم مسبقا أن الغدر من سمات العدو، و عرض عليه الإقامة في أي مكان يريده بفرنسا و يملكونه القصور و المزارع و المال و يعيش كنبلاء فرنسا، له كل ما يريد هو و من معه فكان جوابه و هذا موثق تاريخيا "لو وضعتم فرنسا كلها في برنوسي هذا، لنثرتها على أمواج هذا المحيط و لن أقبل بديلا عن الاتفاقية التي خرجت بموجبها من الجزائر، و سأحملها معي إلى قبري، و لا يمكن التنازل عنها و أرفض هذا الطلب رفضا قاطعا".
كان من الممكن أن يقتل يومها، و لكن فرنسا فكرت جيدا قبل أن تقدم على أية خطوة حتى لا تعرقل مشروعها في الجزائر، و بالتالي تصبح ولاية فرنسية فأخذوه إلى السجن و لكن لم يأخذوه إلى أحد سجونها و إنما إلى أحد قصورها و طوقته بالحراسة و بقي رفقة ثمانين شخصا من أفراد عائلته، و بقي هناك خمس سنوات أين كان يزوره الناس و العلماء حتى من الجزائر، إلى أن جاء نابليون الثالث الذي قال له "إن سجنك يعذبني و أنا هنا لأرفع العار عن فرنسا" و قد رسخت هذه الجملة في ذهن التاريخ و تناول بعض المؤرخين جملة الأمير أين قال لنابليون "يا سيدي" و أنا لا أذن بأن الأمير قد يقلها و حتى كتّاب فرنسيين اعترفوا بهيبته، و لكن العدو معذور لأنه ظل يسعى بكل الطرق لإذلال تاريخه أما نحن فلا عذر لنا إذا صدقنا مكائده؟؛ و منه فكل ما قدمه ابن الأمير غير صحيح لأنه عندما خرج هذا الابن من الجزائر كان عمره ست سنوات، إذن لم يكن يعي ما يحدث و لا يمكنه أن يتذكر بالوضوح الذي كتب به و بالتالي فإن من الممكن جدّا أنه اعتمد على ما كتبته الصحف الفرنسية، و المشار إليه كذلك أن كتاب "تحفة الزائر" سرق و حرق و يبقى رغم الأخطاء مرجعا تاريخيا و الأرجح أن أحد إخوته سرقه و حرقه حتى يقضي على أفكار الأخ الأكبر حول فكرة إلقاء السلاح و الاستسلام، لكنه كان سطحيا بما كتبه و غير كافيا، ربما تقيد بالتاريخ لكن هذا غير منطقي، لأن الكتابة التاريخية لا بد أن تشمل على أدلة، و تم إنقاذ كتاب "تحفة الزائر" قبل أن يحترق كليّا و هو ما كتب في مقدمة الكتاب بعدها و أعاد كتابته مرة أخرى و أصر على ذكر و ألقينا السلاح إلى فرنسا و تذكر ابنته "لو ما اختطفنا الفرنسيون لكنا الآن في الجزائر" و هي سمعت منه و عندما توفي كانت حينها متزوجة و لها طفل اسمه "محمد" يعني أنها كانت ناضجة و كلامها منقول عن الأمير والدها، و تقصد بذلك أن الأمير عبد القادر عند اختياره عكا كان الهدف هو البقاء لفترة طويلة فقط، لكن بعد خمس سنوات قضاها في فرنسا تغيرت أمور كثيرة في الجزائر حتى أن الكثير من أتباعه في الحرب أعزتهم فرنسا، و عليه رفض فكرة العودة إلى الجزائر.
الأمير عبد القادر هو من شيد البيت سنة 1855م و عمّره و يوم سكنه أقام احتفالا كثيرا حضره أعيان دمشق و قرءوا للتبرك "صحيح البخاري"، أشرف عليه ابنه الأمير عمر بعد وفاته بعدة أشهر تعرض الطابق الثاني إلى حريق، فالأمير عمر لم يكن عنده أولاد فرممه مرة أخرى و سكنه من دون حصر الإرث بعد عودة عائلته من المغرب و عند مرورهم ببيروت بقوا فترة ببيت الأمير سعيد، ثم استقروا بالقصر و يومها كان الأمير عمر قد استشهد منذ زمن و بقيت زوجته مع والدته مقيمتان هناك،بعد فترة طالبت العائلة من الأحفاد بحصصها فقدر ثمن القصر و كل واحد حاول بما يملك شراء أقسام منه، و كانت ابنته تحب كثيرا الغرفة التي توفي بها الأمير و تقول أنها مباركة؛ انتقلوا للدراسة خارج المدينة و كانت هناك المسافة بعيدة، خاصة و أن الوضع الأمني لم يكن مستقرا قبل خروج فرنسا من سوريا فهجروا القصر و أخذوا بعض مقتنيات المنزل فقط، و عندما جاءوا الفلسطينيون المهاجرون القاصدين سوريا أخذهم الإتحاد النسائي إلى القصر فكسروا الباب و سكنوه.
بعد فتر من استقرار العائلات الفلسطينية به قصدت حفيدته المكان و وجدت بكل غرفة عائلة حتى الحمام لم يسلم فقد وجدت العائلات تطبخ بالمرحاض! فلم تستطع عائلته إخراجهم من باب الشفقة.
إستملكته الحكومة السورية سنة 1972م بعدما أخرجوا العائلات الفلسطينية، و لكنهم هجروه مرة أخرى، و يا ليت إستملكوه و استثمروه كمتحف أو شيء من هذا القبيل، فاليونسكوا سجلته مما حرم المسئولين الكبار من وضع اليد عليه.
منذ ثلاث سنوات تشكلت الإدارة المحلية في سوريا و اقترحوا أن يتحول القصر إلى مكان لعقد الندوات الثقافية و يستقبل به الوفود الرسمية و كان لا بد من تهيئته؛ فخلال إقامته بالقصر لم يكن هناك تضييق كبير، فقد كانوا يزورونه حتى من الجزائر أما رجال الدبلوماسية الفرنسية فكانوا يزورونه كأسير أو سجين جزائريين، فحتى الصحف الفرنسية كانت تكتب عنه بأنه متمرد و هي نفسها الصحف التي اعتمد عليها هنري تشرشل، فجاءت في كتابته مزورة لأنه استعانة بأحقاد بعض الصحفيين الفرنسيين و بغضهم على الأمير و الجزائر، لأن مشروع فرنسا فيما بعد كان مؤسس على تشويه سمعة الرجل الذي قاومهم طيلة 17 سنة، و بهذا نقوم بتوضيح بأن الأمير عندما زاره نابليون الثالث بنفسه كان لحاجة في نفس يعقوب و يقال أنه طلب مقابلة أمه و قام بتقبيل يدها و طلب منها أن تدعوا له فدعت له بألا يموت إلا على دين الإسلام،عندها خاف المترجم و نابليون أصر على الترجمة و عندما فهم ابتسم و قال:" الأمر عادي فهو دعاء الأم لأبنائها "، و في نفس الزيارة اعترف نابليون أنه غدر به و عرض عليه مبلغ تعويضات ليس تعويضا عن أملاكه بالجزائر، فالأمير كان مزارع زيتون كثيرة فهو من عائلة معروفة بالمنطقة و ليس كما صوره تشرشل على أنه معدم و بدوي و يعيش في خيمة و لا يملك إلا القليل من الأغنام، لذا لم يكن ليقبل أن يبيع ذرة تراب وطنه و لكن التعويض كان عن غدر فرنسا له و اختطافه، و لو أنها أنكرت فيما بعد؛ فعرض عليه أن يتقاضى نفس أجره بحكم انه كان حاكما في الجزائر و ذهب يومها إلى السيدة خيرة و ابنته زهراء و أخبرهم بما عرض عليه نابليون، فكان ردهما واحدًا أن النساء بإمكانها العمل و الرجال كذلك.
اعتبر الأمير تفكير السيدات عاطفي و فكر في أنه لو رفض المال لتحوّل على جانب الأموال الأخرى التي ترصد للحرب إلى الأسلحة و لكن لو قبل المبلغ سيتمكن من مساعدة الجزائريين للالتحاق به أو أن يساعد الفقراء من الجزائر،فقبل التعويضات و وزعها على الجزائريين و من الهبات التي أعطاها السلطان عبد المجيد خان للأمير على غرار القصر الذي بناه على ارض كان يملكها بتذمر و بنى بعض الدور بحي العمارة و في خان المغاربة "السويقة" و اشترى سبع قرى في فلسطين.
فبدأت حينها رحلة التشكيك في شرفه عندما قالوا انه استسلم، ثم شككوا في دينه عندما نسبوا إليه كتاب "المواقف" إذن لا طائل من وراء توظيف حكاية التعويضات في التشكيك في نزاهته؛ و روي واسيني أنه شنق عمدا بأمر من الأمير و قال بأن والد عبد القادر هو الذي ألقى القبض على القاضي، و إن الأمير لم يعجبه الموقف، و انه بكى أمام مشهد الإعدام! ربما أراد المؤلف الدفاع عن الأمير عبد القادر في هذه القضية إلا أن الحقيقة تؤكد وقوع الحادثة بعد وفاة والد الأمير بسبعة أشهر لم يكن موجودا، أضف إلى أن الأمير أسس محكمة و لم يكن إعدام شخص بتلك الطريقة و أن محي الدين اكتشف أثناء جولته بالأدلة تعاون القاضي مع الفرنسيين فسجنه بمعسكر حيث حكم عليه بالإعدام بقطع الرأس و ليس شنقا، و لم يعذب القاضي أبدا، لان التعذيب محرم في الإسلام فكانت الحالة الوحيدة التي حكم فيها الأمير بالإعدام هي الحالة القاضي الطاهري حتى يكون عبرة لغيره، كان الأمير إنساني الطباع و مواقفه معروفة مع الأسرى، فهل يمكن أن يعذب الأمير كما قال ابنه احمد الباشا في "تحفة الزائر" كما مذكور في الوصية انه وضع يده على جميع ممتلكات والده و من بينها مقتنيات المتمثلة في الساجدات و المفروشات و غيرها من أملاك الأمير التي كان من المفروض توزيعها على
أولاده الست عشرة.
أما بما يخص الراية الحرب التي ادعت فرنسا أنها سلمتها للجيش الفرنسي فتلك كذبة رفاعية مكتوبة بالأحرف دون تنقيط و قدمها ضباط فرنسيون للجيش الجزائري على أساس أنها راية المقاومة، و كم يألم استقبالها بعد الاستقلال على أنها راية المقاومة فهي لم تخرج من الجزائر و الأمير لم يحمل معه رايات يوم خروجه من البلاد لأنه كان يريد العودة إليها من عكا.
و نشير هنا عن المسئول عن كل الأخطاء التي قيلت في حق الأمير و في حق الشعب الجزائري عامة و بلادنا الجزائر خاصة هم لجان التصحيح، فقد تأكدت أن الجزائر مدرسة تقول:" الاستسلام شيء جيد، بل و علينا أن نستسلم لان عدونا أقوى منا"، و تبدي ذات المدرسة إعجابا بالعدو الذي أصبح صديقا، و فرنسا هي التي حضرت للجزائر و الشعب الجزائري، و هي القوية و الاستسلام لها فخر و هذا للأسف ما قرأناه في كتب تناولت حياة الأمير على غرار بوعزيز و كتاب "ما بدلوا تبديلا" هو رد عن آخر كتاب ليحي بوعزيز عن الأمير عبد القادر الذي كتبته حفيدة الأمير "بديعة الجزائري" عندما وجدت خمسة و عشرين نقطة خاطئة من المفروض أن يرد عليها ليس منها فقط بل من طرف المختصين أيضا، كما هناك الكثيرون ممن كتبوا بطريقة موضوعية عن الأمير و لكن الجميع يؤكد فكرة الاستسلام، حتى الذين يمدحونه و يحبونه و يقدرونه و يكتبون الحقائق الأخرى يعودون إلى تناول لنفس الفكر، فقد قال ركيبي :"يكفي انه حارب سبعة عشرة سنة من أجل الجزائر و هذا يكفيه، أم أنه استسلم فهذه لا تهمنا"، يعني الجميع مؤمن بأنه استسلم بل و يجدون له أعذارا لأنه و ببساطة درست لهم منذ الصغر فليس من السهل أن تغير معلومة تربت عليها أجيال كاملة.